سيد محمد طنطاوي

423

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وكفره فعل له وكسب ، مع أن اللَّه خالق الكفر . وخلق المؤمن ، وإيمانه فعل له وكسب ، مع أن اللَّه خالق الإيمان . والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق اللَّه إياه ، لأن اللَّه - تعالى - قدر ذلك عليه وعلمه منه ، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما ، غير الذي قدر عليه ، وعلمه منه . . « 1 » . وقوله : * ( واللَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * أي : واللَّه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة ، وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . * ( خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ) * أي : خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وبالحكمة التي لا يشوبها اضطراب أو عبث ، فالباء في قوله « بالحق » للملابسة . والمراد بالسموات والأرض : ذواتهن وأجرامهن التي هي أكبر من خلق الناس . والمراد بالحق : المقصد الصحيح ، والغرض السليم ، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال : * ( وصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) * . وقوله : * ( وصَوَّرَكُمْ ) * من التصوير ، وهو جعل الشيء على صورة لم يكن عليها ، وهو مأخوذ من مادة صار الشيء إلى كذا ، بمعنى تحول إليه ، أو من صاره إلى كذا ، بمعنى أماله وحوله . أي : وأوجدكم - سبحانه - يا بني آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها ، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التي خلقه اللَّه عليها ، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره . وصدق اللَّه إذ يقول : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . قال الآلوسي : ولعمري إن الإنسان أعجب نسخة في هذا العالم ، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار ، وعلم ما علم منها أولو الأبصار ، وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية حسن ، لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب . . كما قال بعض الحكماء : شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 18 ص 132 .